الغزالي

7

إحياء علوم الدين

وأما الباعث على هذا فهو الترفع بإظهار العلم والفضل ، والتهجم على الغير بإظهار نقصه وهما شهوتان باطنتان للنفس ، قويتان لها أما إظهار الفضل ، فهو من قبيل تزكية النفس ، وهي من مقتضى ما في العبد من طغيان دعوى العلو والكبرياء ، وهي من صفات الربوبية وأما تنقيص الآخر ، فهو من مقتضى طبع السبعية ، فإنه يقتضي أن يمزق غيره ، ويقصمه ويصدمه ويؤذيه وهاتان صفتان مذمومتان مهلكتان . وإنما قوتهما المراء والجدال . فالمواظب على المراء والجدال مقوّ لهذه الصفات المهلكة . وهذا مجاوز حد الكراهة ، بل هو معصية مهما حصل فيه إيذاء الغير ، ولا تنفك المماراة عن الإيذاء وتهييج الغضب ، وحمل المعترض عليه على أن يعود فينصر كلامه بما يمكنه من حق أو باطل ، ويقدح في قائله بكل ما يتصور له ، فيثور الشجار بين المتماريين ، كما يثور الهراش بين الكلبين ، يقصد كل واحد منهما أن يعض صاحبه بما هو أعلم نكاية ، وأقوى في إفحامه وإلجامه وأما علاجه . فهو بأن يكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله ، والسبعية الباعثة له على تنقيص غيره ، كما سيأتي ذلك في كتاب ذم الكبر والعجب ، وكتاب ذم الغضب . فإن علاج كل علة بإماطة سببها ، وسبب المراء والجدال ما ذكرناه ، ثم المواظبة عليه تجعله عادة وطبعا ، حتى يتمكن من النفس ، ويعسر الصبر عنه روى أن أبا حنيفة رحمة الله عليه ، قال لداود الطائي . لم آثرت الانزواء ؟ قال لأجاهد نفسي بترك الجدال . فقال احضر المجالس واستمع ما يقال ، ولا تتكلم . قال ففعلت ذلك فما رأيت مجاهدة أشد علىّ منها . وهو كما قال ، لأن من سمع الخطأ من غيره وهو قادر على كشفه ، تعسر عليه الصبر عند ذلك جدا . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم « من ترك المراء وهو محقّ بني الله له بيتا في أعلى الجنّة » لشدة ذلك على النفس . وأكثر ما يغلب ذلك في المذاهب والعقائد ، فإن المراء طبع ، فإذا ظن أن له عليه ثوابا اشتد عليه حرصه ، وتعاون الطبع والشرع عليه ، وذلك خطأ محض . بل ينبغي للإنسان أن يكف لسانه عن أهل القبلة . وإذا رأى مبتدعا تلطف في نصحه في خلوة ، لا بطريق